مجزوءة الوضع البشري : الغير


المحور الاول : وجود الغير

-  موقف "مارتن هايدغر" وجود الغير مهدد لوجود الذات ما دام يحرمها من خصوصياتها، والغير مفهوم قابل لكي يطلق على كل إنسان.
الغير عنصر مهدد بالنسبة للأنا لكون هذا الأخير قبضته مادام يجمعهما وجود يومي مشترك ، ويتجلى هذا التهديد في فعل الإفراغ والإفقاد والتذويب.
فالغير يفقد الأنا ما يميز هويته كاختلاف ، ويفرغه من كينونته الخاصة فيجعله بذلك لا يتطابق مع ذاته إذ يذوب في نمط وجود الغير ، فيبدأ بالإختفاء بسبب فقدانه تفرده وتميزه.
يتضح إذن أن وجود الأنا مع الغير داخل حياة يومية مشتركة يجعل من الأنا ذاتا شبيهة مثيلة للغير إذ يفقدها الغير كل تميزها وخصوصيتها ويفرغها من كينونتها ويذيبها في نمط وجوده.
-  موقف "جون بول سارتر"وجود الغير يهدد الذات من جهة وضروري لها من جهة أخرى، إن نظرة الغير إلينا تحرمنا من هذه الحرية وتجعلنا مجرد شيء أو عَبْد.
ان الغير شرط وجودي لا غنى عنه لوجود الأنا ووعيها بذاتها فالوعي بالذات يحصل من خلال الوعي بالغير والإحساس بالإنفصال عنه، ناهيك عن كون معرفة الأنا لنفسها رهين ومشروط بمعرفتها بغيرها ، فالغير هو الوسيط الذي من خلاله تعرف الأنا نفسها كما أن حرية الأنا مقترنة أشد الاقتران بوجود الغير إذ من خلال العلاقة معه تثبت الأنا حريتها إلا أن سارتر بين تهديد الغير للأنا من خلال النظرة حيث اعتبر وجود الغير مصدر تهديد بالنسبة للأنا إذ من خلال النظرة يشيئ الغير الأنا ويشل كل قدراته ويجمد كل امكانيته ومن ثم ينزله من مرتبة الشخص إلى مرتبة الشيئ أي من مرتبة الذات إلى مرتبة الموضوع وهذا ما يجعل من تصور سارتر موقفا مزدوجا ينظر إلى وجود الغير وكأنه عملة ذات وجهين وجه إيجابي يتجلى في ضرورته واهميته ووجه سلبي يتمظهر من خلال تهديده وخطورته.

المحور الثاني : معرفة الغير

-  موقف ماكس شلر : معرفة الغير ممكنة، وتتم من خلال الإدراك الكلي الذي يجمع بين إدراك المظاهر الجسمية الخارجية وإدراك الحالات النفسية والفكرية الداخلية.
أن الأنا بمقدوره تحصيل معرفة بصدد الغير ونعت هذه المعرفة بأنها معرفة كلية يتوحد فيها الظاهر بالباطن، السطح بالعمق... وهذا مايدل على رفض شيلر لتجزييء وتقسيم الذات الانسانية إلى ثنائيات وأهمية لا أساس لها من الصحة فعندما يدرك الأنا الغير يدركه كليته ووحدته ؛ فهم يدركه ادراكا يجمع بين المظاهر الجسمية والعالم الداخلي النفسي مما يدل على وحدة وكلية هذه المعرفة.
-  موقف غاستون بيرجي : تتأسس حقيقة الإنسان على تجربته وعلى إحساساته الداخلية، إن هناك فاصلا بين الذات والغير يستحيل معه التعرف على حقيقة هذا الغير.
يعتبر غاستون بيرجي أن معرفة الغير مستحيلة. لأن تجربة الأنا الذاتية معزولة في العالم و غير قابلة للإدراك من طرف الغير. فبين الأنا و الغير جدار سميك، رغم علاقات التعاطف و المشاركة. و لايمكن لأي منهما تجاوزه، باعتبار العالم الداخلي لكل واحد منهما مغلق.

المحور الثالث : العلاقة مع الغير

-  موقف إمانويل كانط : الصداقة هي النموذج المثالي للعلاقة مع الغير، و مبدأ الواجب الأخلاقي يفرض على الإنسان الالتزام بمبادئ فاضلة وتوجيه إرادته نحو الخير دائما.
يرى كانط أن العلاقة بين الأنا والغير يجب أن تتأسس على مبادئ أخلاقية وعقلية وكونية سامية، فالصداقة نموذج مثالي تقوم على الإحترام المتبادل والتقدير لأن كل طرف يتصرف وفق الواجب الأخلاقي الذي يفرض احترام الذات واحترام الغير بعيدا عن كل منفعة مباشرة أو مصلحة متبادلة وصولا إلى احترام الإنسانية جمعاء في إطار المشاركة والتضامن يضمن للجميع حقوقهم وكرامتهم باعتبار الإنسان غاية وليس وسيلة.
-  موقف أوغست كونت : إن الغيرية باعتبارها نكران للذات وتضحية من أجل الأخر هي الكفيلة بتثبيت مشاعر التعاطف والمحبة بين الناس.
إن العلاقة مع الغير ينبغي أن تتأسس على قاعدة الغيرية باعتبارها نكران للذات وتضحية من أجل الغير، لتقيم قطيعة مع الأنانية والمصلحة الخاصة، فهي الكفيلة بتثبيت مشاعر التعاطف والمحبة بين الناس، فتجد الإنسانية غاياتها الكبرى هي نشر قيم العقل والعلم والتضامن والإستقرار في العالم.
قد يكون لديك سؤال أو استفسار لم نتطرق له في الموضوع أو خطأ وقع أثناء النشر, بإمكانك طرحه في التعليق اسفل الصفحة.