مجزوءة الأخلاق : الحرية


المحور الاول : الحرية والحتمية

-  موقف ابن رشد : الفعل الإنساني يتصف بحرية جزئية مصدرها القدرة التي يتمتع بها على القيام بأفعاله، لكن هناك عوامل تحد من حرية الإنسان وتتمثل في النظام الذي تخضع له الطبيعة.
يؤكد ابن رشد أن الفعل الإنساني الذي يتجه إلى معرفة أسباب الموجودات الخارجية، نابع من قدرة الإنسان ذاته. ولكن إذا تأملنا أسباب الموجودات نجدها ترجع إلى الخالق. بل إنه سبحانه، من وهب الإنسان القدرة على إتيان الأسباب ومعرفتها. من هذا المنطلق، يبدو أن ابن رشد، يسعى إلى موقعة الفعل الإنساني بين الحرية والحتمية وذلك من خلال التوفيق بين الحرية في الفعل والقدرة الإلهية. إلا أن الفيلسوف يريد أن يناقش، أيضا، بعض التصورات الكلامية التي تلغي العلاقة بين الأسباب والنتائج، لأنه يعتبر هذا الإلغاء قولا سفسطائيا ومبطلا للعلم.
-  موقف اسبينوزا : شعورنا بالحرية ليس إلا وهما ناشئا عن تخيلنا وإحساسنا بأننا أحرار. وهو ناجـم عن جهلنا بالأسباب الحقيقية التي تقف خلف أفعالنا.
الحرية و الحتمية هما الأساس التي تقوم عليه الأفعال الإنسانية. إذ أن الشعور بالحرية ليس إلا مجرد تخيل, لأن الإنسان يجهل الأسباب الحقيقية التي تسيره و التي تعتبر مجموعة من الحتميات و الإكراهات الخارجة عن إرادته, حيث ينساب وراءها ظنا منه أنه يمارس أفعاله بحرية تامة. لهذا فالحرية هي مجرد وهم يعيشه الإنسان, و لا وجود لحرية إنسانية تجعل من الإنسان كائنا أسمى من الطبيعة. فهو مجبر و مخير من جهة, و من جهة أخرى خاضع لإكراهات دون وعيه بها.

المحور الثاني : الحرية والارادة

-  موقف نيتشه : إن الإرادة الحقيقية تتمثل هي إرادة الحياة وتنبني على تلبية الرغبات والشهوات الغريزية وإعادة الاعتبار للجانب الجسدي في الإنسان.
يعتبر الأخلاق غريبة عن الحياة، لأنها تُوهِمُ بوجود عالم لا وجود له، وأنها بحث عن الكمال خارج الحياة الواقعية، فالحياة فعل وقوة لا أخلاقٌ، وليست القيم الأخلاقية في نظره سوى أوهاما وحِيَلاً اخترعها الضعفاء من الناس لمواجهة الأقوياء في الصراع من أجل الحياة خدعوا بها الأقوياء كما خدعوا بها أنفسهم، فالأخلاق خدمةٌ لمبادئ غريبة عن الحياة، وهذا ما جعل إرادة الضعفاء إرادة عدم تزهد في الحياة وتتنكر لها، لقد صارت البشرية عبيد أوهام اخترعوها لإفساد الحياة، وعليه فإن نيتشه يدعو للتحرر من تلك الأوهام بإرادة الحياة التي هي إرادة القوة، إن إرادة الحرية هي إرادة القوة لا إرادة الخير، والتحرر لا يكون بالزهد في الحياة وإنكارها، لأن الزهد يمنع الإنسان أن يكون إنسانا على الأرض، وعليه فإن الحرية هي التخلص من قيم الزهد في الحياة التي انتشرت مع الكنيسة المسيحية وكل الاتجاهات اللاهوتية.
-  موقف ديكارت : تقوم حرية الارادة في القدرة على الفعل او عدم الفعل انطلاقا من المعرفة المسبقة، وهي مرتبطة بالعقل، والحرية في اتباع البداهة أي الافكار الواضحة.
يرى  ديكارت أن الإنسان كائن حر في اختياراته وأن هذه الحرية تقوم على الإرادة التي هي ملكة الفعل أو عدم الفعل انطلاقا من معرفة مسبقة بالفعل ونتائجه، فالإرادة حسب ديكارت لا تخضع لأي إكراه خارجي أثناء فعلها أو عدم فعلها لذلك فهي المحددة للحرية الإنسانية. وعلى الرغم من كون إرادة الإنسان ليست مطلقة كما هو حال إرادة الخالق إلا أنها تتمتع بقوة تجعلها محددة لحرية الإنسان تحديدا مطلقا.

المحور الثالث : الحرية والقانون

-  موقف حنا أرندت : الحرية ليست مسألة عقلية او مفهوم نظري او إحساس داخلي، الحرية موقف واقعي، فهي تتحقق بشرط الحرية السياسية، اذ لا معنى للحرية في غياب الحرية السياسية.
ترى الفيلسوفة حنا أرندت أن الحرية ليست مسألة أخلاقية باطنية بل إنها مسألة سياسية تتعلق بنظام يعمل على تعايش الحريات ويوفر إمكانيات الفعل والتفكير والتعبير، فالحرية نشاط واع يمارسه المواطنون في ظل نظام سياسي للمطالبة بحقوقهم ورفع الغبن والقهر عنهم، والإنسان لا يعي حريته بذاته بل في علاقاته مع غيره ومع مؤسسات الدولة بالانتظام في مؤسسات المجتمع المدني لمنع هيمنة الدولة على المجتمع ووضع حد لكل إمكانية التسلط، وبذلك تتحول الحرية إلى تحرر أي إلى حركة واعية ومتواصلة لتنظيم العلاقات بين السلط لتعمل كل سلطة في مجال اختصاصها على حماية الحريات كحق سياسي.
-  موقف مونتيسكو : ليست الحرية هي القيام بكل ما يريده الإنسان، بل الحرية هي القيام بما تسمح به القوانين، فالقانون لا يعارض الحرية بل ينظمها.
الحرية هي ما يسمح به القانون فقط, و ليست فعل كل ما يريده الفرد, أي أنها فعل ما يسمح له بفعله في نطاق القانون, و بمعنى أبسط فعل ما ينبغي فعله. لذا فالقوانين وحدها هي التي تحدد ماهية الحرية و قيمتها, و تمنع كل تجاوز في استعمالها, مما يعني أنها لا تعارض الحرية و إنما تنظمها.
قد يكون لديك سؤال أو استفسار لم نتطرق له في الموضوع أو خطأ وقع أثناء النشر, بإمكانك طرحه في التعليق اسفل الصفحة.