مجزوءة الأخلاق : الواجب


المحور الاول : الواجب والاكراه

-  موقف كانط : رقابة العقل هي التي تفرض على الإنسان الالتزام بالواجب، وينبغي أن يتأسس الواجب على الإرادة الطيبة وتوخي الخير في كل سلوك.
الواجب أمر أخلاقي مطلق صادر عن العقل العملي و يعبر عن نداء للضمير و الإرادة الطيبة, إذ يوجههما نحو الخير و المبادئ العقلية السامية, مما يجعل منه مصدرا للحرية و الإلتزام و المسؤولية. لذا فالواجب الأخلاقي يتأسس على العقل العملي الذي يزيل عنه الطابع الإلزامي, و على مبدإ الإرداة الخيرة التي ترقى به من مستوى الإلزام إلى مستوى الإلتزام, فيتحرر بذلك الإنسان من كل مظاهر الضرورة و الإكراه و يسمو ببعد أخلاقي على كل الكائنات الحية.
-  موقف جون ماري غويو : الواجب نابع من الحياة وقوانينها ويرتبط بقدرة الإنسان وشعوره بما يستطيع القيام به دون أي إكراه، وكل قدرة تنتج واجبا.
يرتد الواجب في نظر جون ماري غويو إلى الشعور بقدرة داخلية معينة تمتاز في طبيعتها على القدرات الأخرى، فأن يشعر المرء شعورا داخليا بما هو قادر على فعله من أمر عظيم، فهذا شعور أول بما يجب عليه فعله. فالواجب إنما هو فيض من الحياة يريد أن يتدفق. لقد ظنوه إلى الآن شعورا بضرورة أو ضغط، وما هو في حقيقته إلا الشعور بقدرة. إن كل قوة متجمعة تحدث نوعا من الضغط على الحواجز الموضوعية أمامها. وكل قدرة تنتج نوعا من الواجب متناسبا معها. فمن المستحيل على امرئ أن يصل إلى غايته، حين لا تكون له قدرة على تجاوز هذه الغاية.

المحور الثاني : الوعي الاخلاقي

-  موقف روسو : الإحساس بضرورة احترام الواجبات فطري في الإنسان، إن الإنسان يعرف الخير بشكل فطري ولا يحتاج للدين والمجتمع والثقافة ليتعلم ما هو خير.
يوجد في أعماق النفوس البشرية مبدأ فطري للعدالة والفضيلة حسب جون جاك روسو والذي تقوم عليه أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير، فنصفها بالخيرة أو الشريرة. وهذا المبدأ يسمى: الوعي. والذي يتكون من أحاسيس فطرية وهي: حب الذات، الخوف من الألم والموت، والرغبة في العيش السعيد… ولكن مادام الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فقد ظهرت أحاسيس فطرية أخرى في علاقته بالآخرين. هكذا يولد دافع الوعي من النسق الأخلاقي، فهناك فرق، في نظر روسو، بين معرفة الخير ومحبته: فالإنسان ليست لديه معرفة فطرية، لكنه بمجرد ما يدرك الخير بعقله، حتى يحمله وعيه على حب هذا الخير، وهذا الإحساس هو وحده الفطري.
-  موقف نيتشه : الوعي الأخلاقي وما يرتبط به من خير وشر وواجب، تجد لها أصلا في العلاقات التجارية الأولى بين الدائن والمدين. فأصل القيم الأخلاقية مستنبتة على هذه الأرض بدماء ومآسي كثيرة.
لقد كشف نيتشه من خلال بحثه الجينيالوجي عن أصل الأخلاق ومنشئها، عن الأحداث التاريخية الأولى والحقيقية التي كانت وراء تبلور ما يسمى بالوعي الأخلاقي. هكذا فقد نشأ الوعي الأخلاقي في إطار علاقة تجارية بين الدائن والمدين؛ حيث أن هذا الأخير عجز عن أداء ما عليه من دين للأول، باعتباره واجبا عليه، فعوض له ذلك بخضوعه له وانصياعه لأوامره. من هنا فأصل الوعي الأخلاقي، وبالتالي أصل الخير والشر، هو تلك القيم والواجبات التي وضعها الدائنون ليعاقبوا بها المدينين ويصبحوا سادة عليهم. إن العقاب في هذه الحالة لم يتخذ شكل تعويض مالي أو عقاري، وإنما اتخذ شكل عقاب معنوي وأخلاقي. وقد ترتب عنه ظهور مبادئ وواجبات وأوامر يكون لزاما على المستضعفين الخضوع لها من أجل المحافظة على حياتهم.

المحور الثالث : الواجب والمجتمع

-  موقف إميل دور كايم : احترام الواجب مصدره سلطة المجتمع، بمعنى أن المجتمع يفرض رقابته على الأفراد لكي يقوموا بالواجبات.
الحياة الإجتماعية للفرد مرتبطة بحياته الأخلاقية المكونة من طرف القيم و الثقافة, مما يفسر أن السلطة الأخلاقية ذات الطبيعة الإلزامية و الإكراهية تستمد قوتها من المجتمع الذي يتحكم في سلوك أفراده و يخضعهم لمنطقه, و يفرض عليهم واجبات أخلاقية عبر القيم و المعتقدات السائدة التي تمرر عن طريق التنشئة الإجتماعية لتشكل الضمير الجمعي الذي يستمد منه الواجب الأخلاقي.
-  موقف هنري برغسون : لا بد من توفر سلطة المجتمع من أجل احترام الواجب، ولا بد من الانفتاح على الواجبات الكونية التي تتجاوز انغلاق المجتمع.
يرى برجسون أنه بالرغم من أن المجتمع يتكون من إرادات فردية حرة، فإن هذه الإرادات تؤلف في انتظامها جهازا عضويا يرسخ أنساقا من العادات الجماعية التي تمارس إلزامها وسلطتها على الأفراد.
هكذا فالمجتمع هو الذي يحدد للفرد واجباته وقواعد سلوكه اليومي. ويتم خضوع الفرد للمجتمع بنوع من الآلية والعفوية التي لا يكاد يشعر الأفراد خلالها بذلك الضغط الممارس عليهم من قبل المجتمع. غير أن هذه الواجبات تتحول إلى عادات محدودة وذات طابع سكوني ومنغلق، مما يحتم ضرورة، حسب برغسون، الانتقال بها إلى مجال المجتمع المفتوح الذي هو الإنسانية ككل.
إن علينا واجبات نحو الإنسان كإنسان، كاحترام حياة الآخرين واحترام حرياتهم ومعتقداتهم، ولذلك يجب ترسيخ قيم وواجبات كونية من شأنها أن ترسخ السلم والتسامح بين كل أفراد بني الإنسان.
قد يكون لديك سؤال أو استفسار لم نتطرق له في الموضوع أو خطأ وقع أثناء النشر, بإمكانك طرحه في التعليق اسفل الصفحة.