مجزوءة السياسة : العنف


المحور الاول : أشكال العنف

-  موقف لورنتز : يشترك الإنسان مع الحيوان في الجوانب العدوانية، ويتصف الحيوان بامتلاك كوابح طبيعية عصبية، أما كوابح الإنسان فهي ثقافية.
يريد لورنتز أن يبين أن السلوك الحيواني يحمل في ذاته نزوعا أصليا نحو العنف. ومع ذلك فإنه تكونت لديه تحت قانون الاصطفاء الطبيعي آليات كابحة تجعله يتجنب القتل. ذلك أيضا هو شأن الإنسان، فهو يحمل في ذاته ميلا غريزيا إلى العدوان، وذلك ما يجعل معظم الناس ينسبون إلى العقل كل ما يحول بين الفرد وتحقيق مصالحه الموغلة في الفردانية. إن هذا الاعتقاد، في نظر المفكر، يحمل صدقا نسبيا فقط، لأن المسؤولية العقلية والأخلاقية، لن تستطيع كبح دوافع القتل لو لم يكن الإنسان يمتلك في ذاته، وبشكل فطري، ميكانيزمات كابحة للعدوان والقتل.
-  موقف كلوزفتش : الحرب هي ممارسة العنف اتجاه الغير بهدف إخضاعه لإرادة الذات، الحرب سلوك عدواني يقتصر على الإنسان فقط.
من المعلوم أن الحرب تعتبر من أشد المظاهر المعروفة للعنف، حيث تستباح فيها الحرمات والأعراض علاوة عن الأشكال المتعددة من التعنيف الجسدي. وفي هذا الصدد يحدد كلوزيفيتش أساس الحرب في الفعل الفردي باعتباره استعمالا للقوة الجسمية من إرغام الخصم للخضوع لإرادة الفرد. وهكذا تتدخل العلوم لتوفر الوسائل للقوة حتى تتغلب عن القوة المضادة. ومن ثم أمكن القول، بأن الحرب لا تحمل حدودا ذاتية دون تدخل التشريعات والقوانين، ومهما تنوعت أشكال القوة أو تعددت، سوف تظل مجرد وسائل لتحقيق غاية تتمثل في إخضاع الخصم.

المحور الثاني : العنف في التاريخ

-  موقف انغلز : هناك عنف سياسي وعنف اقتصادي هدفه الإنتاج وامتلاك وسائل الإنتاج، وغالبا ما يحدد الثاني الأول ما دام العنصر الاقتصادي اساس التطور.
يعتقد إنغلز أن العنف يرتبط تاريخيا بالتطور الاقتصادي. فأهمية الاقتصاد في التأثير على الحياة الاجتماعية تجعل العنف السياسي مضطرا للخضوع إليه. ويكفي أن نتأمل التاريخ ليتبين أنه لم تستطع الثورات السياسية، ولا أشكال الاستبداد أن توقف أشكال النمو الاقتصادي. إلا أن ذلك لا يمنع حدوث بعض الاستثناءات، والتي تتجلى، بشكل خاص، في تلك الحالات الانقلابية التي يصبح فيها العنف الداخلي للدولة متجها ضد التطور الاقتصادي، وينتهي الأمر عادة بقلب النظام السياسي السائد.
-  موقف فرويد : السلطة الناتجة عن اتحاد واتفاق الجماعة هي مصدر الحق والقانون، والقانون بمثابة عنف جماعي يوجه ضد المتمردين بهدف الحفاظ على الحقوق.
يعتقد فرويد أن أهم تحول عرفه العنف تاريخيا، يتمثل في الانتقال من الاعتماد المطلق على القوة الجسمانية، إلى الاعتماد على العقل. فمنذ أن أصبح الإنسان يركز على استعمال الأسلحة أصبحت الحرب عقلية، ويكون الانتصار حليف من يملك أفضل أنواع الأسلحة. إلا أن التاريخ يشهد على الإنسان نهج مسارا آخر لمقاومة كل من العنف الجسدي والعقلي من خلال الاحتكام إلى سلطة القانون. هكذا أصبح الحق قوة جماعية، لأنه يترجم "في الحقيقة" اتحاد قوى ضعيفة.

المحور الثالث : العنف و المشرعية

-  موقف كانط : تمرد الشعب واستخدامه للعنف يؤدي إلى الفوضى وتضيع معها كل الحقوق، إن الحاكم وحده من يملك حق استخدام العنف.
يؤكد كانط أن تماسك الكيان الاجتماعي لا يمكن أن يتم إلا من خلال منع أشكال المعارضة المطلقة، مهما كانت بواعثها، لأنه ليس من حق الرعية أن تلعب دور المشرع في كل وقت وحين.. وبما أن الحاكم وحده من يملك سلطة القانون والإرادة للعدالة، فهو وحده من يجب أن يقرر حتى لو اعتقدت الرعية أن يسلك خارج القانون.
-  موقف إريك فايل : العنف سلوك حيواني عدواني يحط من قدر الإنسان، انه مشكل أمام الفلسفة، إذ تعد الفلسفة صراع فكري لا جسدي.
لا يعترف إريك فايل بشرعية العنف لأنه نقيض الفلسفة. ولكي تستطيع الفلسفة مقاومته يجب أن تتجسد اللاعنف وتستعمل هذا المفهوم بقوة. هكذا تظل الإشكالية المتجذرة في الفلسفة هي أن تسعى إلى محاربة نقيضها. فمحاربة العنف إذن هو المنطلق والنهاية، ومن ثم لا مناص أن نختار إما العنف وإما الخطاب..
قد يكون لديك سؤال أو استفسار لم نتطرق له في الموضوع أو خطأ وقع أثناء النشر, بإمكانك طرحه في التعليق اسفل الصفحة.